وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْأُمَمِ أَضْعَافُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمُكَذِّبَتَيْنِ مِمَّا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ لَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقَلٍ أَنَّ الضَّلَالَ وَالْجَهْلَ وَالْغَيَّ وَفَسَادَ الْعَقْلِ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى أَتْبَاعِهِ وَمَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: كَيْفَ جَازَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا عَلَى اخْتِلَافِ طَبَائِعِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ وَتَبَايُنِ مَقَاصِدِهِمِ الْإِطْبَاقُ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْعَقْلِ، وَيُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرُسُلُهُ وَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَذَّابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ هُوَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْجَرُهُمْ وَأَظْلَمُهُمْ وَأَكْذَبُهُمْ.
وَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ إِطْبَاقَ أَكْثَرِ الْأُمَمِ عَلَى مُتَابَعَةِ هَذَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُرُوجَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمُعَادَاتِهِمْ آبَاءَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَبَذْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ.
فَتَجْوِيزُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى عَلَى شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ حَقِيرَةٍ لَهَا أَغْرَاضٌ عَدِيدَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ طَبَقُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَهُمْ أَعْقَلُ الْأُمَمِ وَأَكْمَلُهَا فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْفَضْلِ، وَأَيْنَ عُقُولُ عُبَّادِ الْعِجْلِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِي أَضْحَكُوا سَائِرَ الْعُقَلَاءِ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَدَلُّوهِمْ عَلَى مَبْلَغِهَا بِمَا قَالُوهُ فِي مَعْبُودِهِمْ مِنْ عُقُولِ الْمُسْلِمِينَ؟