فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَجَابَ لَهُ وَلِخُلَفَائِهِ بَعْدَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا قَطُّ عَلَى الدِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَاتِلُ مَنْ يُحَارِبُهُ وَيُقَاتِلُهُ، وَأَمَّا مَنْ سَالَمَهُ وَهَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}
وَهَذَا نَفْيٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدِّينِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ، قَدْ تَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَسْلَمَ الْآبَاءُ وَأَرَادُوا إِكْرَاهَ الْأَوْلَادِ عَلَى الدِّينِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَالصَّحِيحُ: الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، فَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الدِّينِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، كَمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى هَؤُلَاءِ بَعْضَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى دِينِهِ قَطُّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} .