(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ(8)
قال ابن كثير - رحمه الله -: «لما ذكر - تعالى - حال الضلال الجهال المقلدين لغيرهم في الآية الثالثة من هذه السورة وهي قوله - سبحانه -: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع، فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي:
بلا عقل صحيح. ولا نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأي والهوى».
ولعل مما يؤيد ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من هذه السورة في شأن المقلدين لغيرهم، أنه - سبحانه - قال فيها في شأنهم: وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
أما في هذه الآية فقد قال في شأن هذا النوع من الناس: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... أي: ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله - تعالى - واتباع طريقه الحق.
وقد نفت الآية الكريمة عن هذا المجادل، استناده إلى أي دليل أو ما يشبه الدليل، فهو يجادل في ذات الله - تعالى - وفي صفاته «بغير علم» يستند إليه وبغير «هدى» يهديه
ويرشده إلى الحق وبغير «كتاب منير» أي: وبغير وحي ينير عقله وقلبه، ويوضح له سبيل الرشاد.
فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أي مستند إليه في جداله سواء كان عقليا أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من جميع الجهات.
ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية، صورة الجاهل المغرور المتعجرف، فقال - تعالى -: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وقوله ثانِيَ من الثّنى بمعنى اللّيّ والميل عن الاستقامة. يقال: فلان ثنى الشيء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أي: مال والتوى.
والعطف - بكسر العين - الجانب، وهذا التعبير كناية عن غروره وصلفه مع جهله. أي:
أنه مع جداله بدون علم، متكبر معجب بنفسه، معرض عن الحق، مجتهد في إضلال غيره عن سبيل الله - تعالى - وعن الطريق الذي يوصل إلى الرشاد.