وعلى الرأي الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقي، بأن تتزلزل الأرض وتضطرب، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها، ثم تقوم الساعة.
وعلى الرأي الثاني تكون الزلزلة المقصود بها شدة الخوف والفزع، كما في قوله - تعالى - في شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً فالمقصود: أصيبوا بالفزع والخوف، وليس المقصود أن الأرض تحركت واضطربت من تحتهم.
وبعد هذا الافتتاح الذي يغرس الخوف في النفوس، ويحملها على تقوى الله وخشيته، ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل، ويتبع خطوات الشيطان، فقال - تعالى -:
[سورة الحج (22) : الآيات 3 إلى 4]
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ(3)
ومِنَ في قوله وَمِنَ النَّاسِ للتبعيض. وقوله يُجادِلُ من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة والمغالبة، مأخوذ من جدلت الحبل. أي: أحكمت فتله، كأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه، ويضعف رأى صاحبه.
والمراد بالمجادلة في الله: المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته.
وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من الفاعل في يجادل. وهي حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد.
أي: ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد، لأنهم يجادلون وينازعون في ذات الله وصفاته، وفي وحيه وفي أحكامه بغير مستند من علم عقلي أو نقلي، وبغير دليل أو ما يشبه الدليل.
وقوله - سبحانه - وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ معطوف على ما قبله. والمريد والمتمرد:
البالغ أقصى الغاية في الشر والفساد، يقال: مرد فلان على كذا - من باب نصر وظرف - إذا عتا وتجبر واستمر على ذلك.
وأصل المادة للملاسة والتجرد، ومنه قولهم: شجرة مرداء، أي ملساء لا ورق لها. وغلام أمرد. أي: لم ينبت في ذقنه شعر ..
أي: يجادل في ذات الله وصفاته بغير علم يعلمه، ويتبع في جداله وتطاوله وعناده، كل شيطان عاد عن الخير، متجرد للفساد، لا يعرف الحق أو الصلاح، ولا هما يعرفانه، وإنما هو خالص للشر والغي والمنكر من القول والفعل.