الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - سكت عند قوله {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) } فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلًا بقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقع عند بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسمع كلامه، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدًا قد قتل، وقال يوم بدر: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] .
وقال عياض: والذي يظهر ويترجح في تأويله عند المحققين على تسليمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآى تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذم الأوثان، وعيبها عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا، وقال إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين، وقلوبهم، ويكون ما روى من حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الإشاعة، والشبهة، وسبب هذه الفتنة وقد قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} الآية فمعنى تمنى:
تلا، قال الله تعالى: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} أي تلاوة وقوله ( {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أي يذهبه ويزيل اللبس به ويحكم آياته.
الثالث: أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله تقريرًا وتوبيخًا للكفار كقول إبراهيم - عليه السلام - هذا ربى على أحد التأويلات وكقوله بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته وهذا يمكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد وأنه ليس من المتلو.