قال الآلوسي: وقد يقال إنهم أشاروا بالجملة الأولى - وهي: ربنا رب السماوات والأرض - إلى توحيد الربوبية، وأشاروا بالجملة الثانية - لن ندعو من دونه إلها - إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران، وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا، ويقولون بالأول:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وحكى - سبحانه - عنهم أنهم يقولون: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وصح أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.
وقوله - سبحانه - لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً تأكيد لبراءتهم من كل عبادة لغير الله - تعالى - .
والشطط: مصدر معناه مجاوزة الحد في كل شيء، ومنه: أشط فلان في السّوم إذا جاوز الحد، وأشط في الحكم إذا جاوز حدود العدل: وهو صفة لموصوف محذوف، وفي الكلام قسم مقدر، واللام في «لقد» واقعة في جوابه، و «إذا» حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر.
أي: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلها. ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر، والله لنكونن في هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا، أي: بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب.
والآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية، وعلى أن من كان كذلك ثبت الله - تعالى - قلبه، وقواه على تحمل الشدائد، كما تدل على أن من أشرك مع الله - تعالى - إلها آخر، يكون بسبب هذا الإشراك، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ.
ثم حكى - سبحانه - عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم الصادق، بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ...
و «هؤلاء» مبتدأ، و «قومنا» عطف بيان، وجملة «اتخذوا من دونه آلهة» هي الخبر.