وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل - ، وأن الكتاب الذي أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسيء، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -:
[سورة الكهف (18) : الآيات 9 إلى 12]
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً(9)
قال الإمام الرازي: اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان، فقال - تعالى -: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً؟ لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا على خلق السماوات والأرض، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خالية من الكل، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم .. ».
وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة، بيان أن قصة أصحاب الكهف ليست شيئا عجبا بالنسبة لقدرة الله - تعالى - .
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات ملخصها: أن قريشا بعثت النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول. وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.