الأمر الذي شاع وجوده أمران: أمر خلق، وأمر وحي، ولكل أمر روح يصحبه
كما تقدم (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) فأمر الخلق له روحه
على قدر قربه وبعده، علاء الخلق من علاء الروح الذي كان عنه.
روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذا سقطت النطفة في الرحم نزل إليها ملك"
الأرحام، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة"وفيه:"فينفخ الروح فيها"."
فعلى هذا كل نفس منفوسة، فملك الأرحام ينفخ فيها الروح، وصعد الأمر
بالروح بعيسى ابن مريم، لاختصاصه به - جلَّ جلالُه - إلى ما عبَّر عنه بقوله:(فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا
رُوحَنَا)وقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) وقوله:
(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) .
وذكر في آدم - عليه السَّلام - من الاختصاص ما هو أظهر قوله:(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ
رُوحِي)فاتصف - جلَّ جلالُه - بالنفخ فيه دون واسطة ذكرها، والنفخ وإن كان
دون واسطة وصفًا على الذات العلي سبحانه وله الحمد.
فالقول الحق في ذلك: إن كل ما بانَ عن الله - جلَّ ذكره - فهو له عبد ومنه
خلق، وإنما تفاضل العباد بقدر اجتبائه إياهم ومشيئته فيهم، فاعلم ذلك.
وأمَّا روح الوحي فهو - والله أعلم بما ينزل - من أمره الذي هو كلامه العلي
في الأمر والنهي والقصص والحديث كله، كقوله:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
وكقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) .
وقوله: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) .
وقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) . إلى جميع ما
يتفرع إليه القرآن.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) .
وقوله: (حم(1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).