وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: كَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ لَا شَيْءَ يُمَاسُّهُ، وَلَا شَيْءَ يُبَايِنُهُ، ثُمَّ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَخَلَقَهَا، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ عَرْشًا اسْتَوَى عَلَيْهِ جَالِسًا، وَصَارَ لَهُ مُمَاسًّا، كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ الْأَشْيَاءِ لَا شَيْءَ يَرْزُقُهُ رِزْقًا، وَلَا شَيْءَ يَحْرِمُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَرَزَقَ هَذَا وَحَرَمَ هَذَا، وَأَعْطَى هَذَا، وَمَنَعَ هَذَا، قَالُوا: فَكَذَلِكَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ يُمَاسُّهُ وَلَا يُبَايِنُهُ، وَخَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَمَاسَّ الْعَرْشَ بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ، فَهُوَ مُمَاسٌّ مَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَمُبَايِنٌ مَا شَاءَ مِنْهُ، فَعَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ أَيْضًا سَوَاءً أَقْعَدَ مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشِهِ، أَوْ أَقْعَدَهُ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ نُورٍ، إِذْ كَانَ مِنْ قَوْلِهمْ: إِنَّ جُلُوسَ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ، لَيْسَ بِجُلُوسٍ يَشْغَلُ جَمِيعَ الْعَرْشِ، وَلَا فِي إِقْعَادِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجِبًا لَهُ صِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا مُخْرِجُهُ مِنْ صِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهِ، كَمَا أَنَّ مُبَايَنَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ مُبَايِنًا لَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ صِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا مُخْرِجَتُهُ مِنْ صِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ لَهُ مُبَايِنٌ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَوْصُوفٌ عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهَا، هُوَ مُبَايِنٌ لَهُ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ مَعْنَى مُبَايِنٍ وَمُبَايِنٌ لَا يُوجِبُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ مِنْ صِفَةِ الْعُبُودَةِ وَالدُّخُولَ فِي مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ، فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ قُعُودَهُ عَلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُحَالٍ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُقْعِدُ مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ إِقْعَادَ اللَّهِ مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشِهِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ إِقْعَادَهُ إِيَّاهُ مَعَهُ.