وَقَوْلُهُ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا وَجْهُ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، لَعِلْمِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَدَعُ أَنْ يَفْعَلَ بِعِبَادِهِ مَا أَطْمَعَهُمْ فِيهِ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَالْعِوَضِ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْغُرُورُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ أَطْمَعَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَهُ فِي نَفْعِهِ، إِذَا هُوَ تَعَاهَدَهُ وَلَزِمَهُ، فَإِنْ لَزِمَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَتَعَاهَدَهُ ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلَا سَبَبَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْعِهِ إِيَّاهُ مَعَ الْإِطْمَاعِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْهُ لِصَاحِبِهِ عَلَى تَعَاهُدِهِ إِيَّاهُ وَلُزُومِهِ، فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهِ غَارٌّ بِمَا كَانَ مِنْ إِخْلَافِهِ إِيَّاهُ فِيمَا كَانَ أَطْمَعَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَالَ لَهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَتِهِ الْغُرُورُ لِعِبَادِهِ صَحَّ وَوَجَبَ أَنَّ كُلَّ مَا أَطْمَعَهُمْ فِيهِ مِنْ طَمَعٍ عَلَى طَاعَتِهِ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْي أَمَرَهُمْ بِهِ، أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُوفٍ لَهُمْ بِهِ، وَإِنَّهُمْ مِنْهُ كَالْعِدَةِ الَّتِي لَا يُخْلَفُ الْوَفَاءُ بِهَا، قَالُوا: عَسَى وَلَعَلَّ مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: أَقِمِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ يَا مُحَمَّدُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِإِقَامَتِهَا فِيهَا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ فَرْضًا فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ، لَعَلَّ رَبَّكَ يَبْعَثُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامًا تَقُومُ فِيهِ مَحْمُودًا تَحْمَدُهُ، وَتُغْبَطُ فِيهِ.