ثم يتحدث الحق عن صفة أخرى في الإنسان: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} [الإسراء: 83] وهذه صفة مذمومة في الإنسان الذي إذا ما تعرّض لشرٍّ أو مسَّه ضُرٌّ يقنط من رحمة الله ، وكأن الحق سبحانه يخاطب عبده الذي يقنط: لا يليق بك أن تقنط إذا ضاقتْ بك الدنيا ، وأنت مؤمن لا تعيش مع الأسباب وحدها إنما مع المسبِّب سبحانه ، وما دُمْتَ في رحاب مُسبِّب الأسباب فلا تيأس ولا تقنط.
لذلك يقولون:"لا كَرْبَ وأنت ربٌّ"، فيجوز لك القنوط إن لم يكُنْ لك رَبٌّ يتولاَّك ، أما والرب موجود فلا يليق بك ، كيف ومَنْ له أب لا يُلقي لهموم الدنيا بالاً ، ويستطيع أن يعتمد عليه في قضاء حاجاته ، فما بالك بمَنْ له رَبٌّ يرعاه ويتولاَّه ، ويستطيع أن يتوجه إليه ، ويدعوه في كل وقت؟
والحق سبحانه حينما يُنبِّهنا إلى هذه المسألة يريد أنْ يُعطينا الأُسْوة به سبحانه وتعالى ، يريد أن يقول للإنسان: لا تحزن إن أدَّيْتَ للناس جميلاً فأنكروه ، أو معروفاً فجحدوه ، وكيف تحزن وهم يفعلون هذا معي ، وأنا ربُّ العالمين ، فكثيراً ما أُنعِم عليهم ، ويُسيئون إليَّ ، ويكفرون بي وبنعمتي.
وسيدنا موسى - عليه السلام - حينما طلب من ربه تعالى أَلاَّ يقال فيه ما ليس فيه ، قال له ربه: كيف ، وأنا لم أفعل ذلك لنفسي؟! إنهم يفترون على الله ما ليس فيه ، ويكفرون به سبحانه وينكرون إيجاده ونعمه ، فَمنْ يغضب لقول الكافرين أو إيذائهم له بعد هذا؟
لكن ، لماذا ييأس الإنسان ويقنط؟ لأنه في حال النعمة أعرض عن الله ونأى بجانبه: أي ابتعد عن ربه ، لم يَعُدْ له مَنْ يدعوه ويلجأ إليه أن يُفرِّج عنه ضيق الدنيا.
إذن: لما أعرض في الأولى يَئِس في الثانية. والله تعالى يجيب مَنْ دعاه ولجأ إليه حال الضيق حتى إنْ كان كافراً ، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ..} [الإسراء: 67]
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} .