وذكر قبلُ في فاتحة الكتاب ، من سر كونها شفاء ، حقائق بديعة . وكذا في بحث الرقي . وذكر أيضاً أن من الأدوية التي تشفي من الأمراض ، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم ، من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار ، والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب . فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها . فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ولا قياسه . وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة . ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية . وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ، ليس خارجاً عنها . ولكن الأسباب متنوعة ، فإن القلب متى اتصل برب العالمين ، وخالق الداء والدواء ، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء ، كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه ، المعرض عنه . وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة ؛ تَعَاونَا على دفع الداء وقهره . فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه ؛ أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، ويوجب لها هذا القوة دفع الألم بالكلية ؟ ! ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأعظمهم حجاباً ، وأكثفهم نفساً ، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية .
وقد أسهب ، عليه الرحمة ، أيضاً في كتاب"إغاثة اللهفان"في بيان تضمن القرآن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه ، بما تنبغي مراجعته ؛ ليزداد المريد علماً .
وقوله تعالى: