وقيل: غسق الليل: مغيب الشفق ، ومنه قول زهير:
طلت تجود يداها وهي لاهية... حتى إذا جنح الإظلام والغسق
وأصل الكلمة من السيلان يقال: غسقت: إذا سالت.
وحكى الفراء غسق الليل وأغسق ، وظلم وأظلم ، ودجى وأدجى ، وغبش وأغبش ، وقد استدل بهذه الغاية ، أعني قوله: {إلى غسق الليل} من قال: إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب ، روي ذلك عن الأوزاعي ، وأبي حنيفة وجوّزه مالك والشافعي في حال الضرورة ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعيين أوقات الصلوات ، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك.
قوله: {وقرآن الفجر} انتصاب {قرآن} لكونه معطوفاً على {الصلاة} أي: وأقم قرآن الفجر ، قاله الفراء.
وقال الزجاج والبصريون: انتصابه على الإغراء: أي فعليك قرآن الفجر.
قال المفسرون: المراد بقرآن الفجر صلاة الصبح.
قال الزجاج: وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآناً ، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن"وقرآن معها"، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة ، وقد حررته في مؤلفاتي تحريراً مجوّداً.
ثم علّل سبحانه ذلك بقوله: {إن قرآن الفجر مشهوداً} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح ، وبذلك قال جمهور المفسرين {وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} :"من"للتبعيض ، وانتصابه على الظرفية بمضمر ، أي: قم بعض الليل فتهجد به ، والضمير المجرور راجع إلى القرآن ، وما قيل من أنه منتصب على الإغراء ، والتقدير: عليك بعض الليل ، فبعيد جداً ، والتهجد مأخوذ من الهجود.