القول الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظّاهرة بالرقى، والتعوذ، ونحو ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه، وقرأ الجمهور {وَنُنَزِّلُ} بالنون ومجاهد بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقرأ زيد بن علي {شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ} بنصبهما ويتخرج النصب على الحال، وخبر {هُوَ} قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ} والعامل فيه ما في الجار والمجرور من الفعل، ونظيره قراءة من قرأ {وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} بنصب {مطويات} ثم لمّا ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة عليهم، فقال: {وَلا يَزِيدُ} القرآن كله، أو بعض منه الكافرين {الظَّالِمِينَ} ؛ أي: الواضعين للأشياء في غير موضعها، الذين وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشكّ والارتياب موضع اليقين والاطمئنان؛ أي: لا يزيدهم مع كونه في نفسه شفاءً من الأسقام {إِلَّا خَسارًا} ؛ أي: إلّا خسرانًا سرمديًا، وهلاكًا أبديًا بكفرهم وتكذيبهم له، لأنهم كلما سمعوا آيةً منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان، وازدادوا كفرًا بالله تمردًا وعنادًا؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون كما قال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} وقال أيضًا: {وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (125) } .
وفي الآية: إيماء إلى أنّ ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك.