وذهب افلاطون ومن تقدمه من فلاسفة إلى حدوثها مع حدوث البدن المستعد له كما ذهب إليه بعض الإسلاميين ، وقد تقدم الكلام في استدلال كل جرحاً وتعديلاً ، ويقال هنا: إن المعلم الأول قائل كغيره من الفلاسفة بتجرد الروح المسماة بالنفس الناطقة عندهم عن المادة فكيف يسعه القول بحدوثها مع قولهم كل حادث زماني يحتاج إلى مادة ، وأجيب بأن المادة ههنا أعم من المحل والمتعلق به والبدن مادة للنفس بهذا المعنى ، وأنت تعلم أن استعداد الشيء للشيء لا يكون إلا فيما إذا كان ذلك مقترناً به لا مبايناً عنه فالأولى أن يقال: إن البدن الإنساني لما استدعى لمزاجه الخاص صورة مدبرة له متصرفة فيه أي أمراً موصوفاً بهذه الصفة من حيث هو كذلك وجب على مقتضى جود الواهب الفياض وجود أمر يكون مبدأ للتدابير الإنسية والأفاعيل البشرية ومثل هذا الأمر لا يمكن إلا أن يكون ذاتاً مدركة للكليات مجردة في ذاتها فلا محالة قد فاض عليه حقيقة النفس لا من حيث أن البدن استدعاها بل من حيث عدم انفكاكها عما استدعاه فالبدن استدعى باستعداده الخاص أمراً مادياً وجود المبدأ الفياض أفاد جوهراً قدسياً وكما أن الشيء الواحد قد يكون على ما قرروه جوهراً وعرضاً باعتبارين كذلك يكون أمر واحد مجرداً ومادياً باعتبارين فالنفس الإنسانية مجردة ذاتاً مادية فعلاً فهي من حيث الفعل من التدبير والتحريك مسبوقة باستعداد البدن مقترنة به وأما من حيث الذات والحقيقة فمنشأ وجودها وجود المبدأ الواهب لا غير فلا يسبقها من تلك الحيثية استعداد البدن ولا يلزمها الاقتران في وجودها به ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلا بالعرض.