الحجة الثانية: النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه فهذه الحجة مبنية على مقدمات ، المقدمة الأولى: هي قولنا النفس واحدة ولنا ها هنا مقامان تارة ندعي العلم البديهي فيه وأخرى نقيم البرهان على صحته ، أما المقام الأول: وهو إدعاء البديهية فنقول المراد من النفس هو الشيء الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا وكل أحد يعلم بالضرورة أنه إذا أشار إلى ذاته المخصوصة بقوله أنا كان ذلك المشار إليه واحداً غير متعدد فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المشار إليه لكل أحد بقوله أنا وإن كان واحداً إلا أن ذلك الواحد يكون مركباً من أشياء كثيرة قلنا إنه لا حاجة لنا في هذا المقام إلى دفع هذه السؤال بل نقول المشار إليه بقول أنا معلوم بالضرورة أنه شيء واحد فأما أن ذلك الواحد هل هو واحد مركب من أشياء كثيرة أو هو واحد في نفسه واحد في حقيقته فهذا لا حاجة إليه في هذا المقام.
أما المقام الثاني: وهو مقام الاستدلال فالذي يدل على وحدة النفس وجوه.
الحجة الأولى: أن الغضب حالة نفسانية تحدث عند إرادة دفع المنافر والشهوة حالة نفسانية تحدث عند طلب الملايم مشروطاً بالشعور بكون الشيء ملايماً ومنافراً فالقوة الغضبية التي هي قوة دافعة للمنافر إن لم يكن لها شعور بكونه منافراً امتنع انبعاثها لدفع ذلك المنافر على سبيل القصد والاختيار لأن القصد إلى الجذب تارة وإلى الدفع أخرى مشروط بالشعور بالشيء فالشيء المحكوم عليه بكونه دافعاً للمنافر على سبيل الاختيار لا بد وأن يكون له شعور بكونه منافراً فالذي يغضب لا بد وأن يكون هو بعينه مدركاً فثبت بهذا البرهان اليقيني مباينة حاصلة في ذوات متباينة.
الحجة الثانية: أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلاً بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص مانعاً للآخر من اشتغاله بفعله الخاص به.