وتعقب ذلك في"البحر"بأن في إضمار الفعل المعلق نظراً ومع ذا هو وجه غير ظاهر ، وجوز أبو البقاء كون {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} جملة استفهامية في موضع نصب بيدعون وكون أي موصولة بدلاً من ضمير {يَدَّعُونَ} وتعقب الأول بأن فيه تعليق ما ليس بفعل قلبي والجمهور على منعه ، وأما الثاني فقال أبو حيان: فيه الفصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية لكنه لا يضر لأنها معمولة للصلة ، وأنت إذا نظرت في المعنى على هذا لم ترض أن تحمل الآية عليه ، وقوله تعالى: {وَيَرْجُونَ} عطف على يبتغون أي يبتغون القربة بالعبادة ويتوقعون {رَحْمَتِهِ} تعالى {ويخافون عَذَابَهُ} كدأب سائر العباد فأين هم من ملك كشف الضر فضلاً عن كونهم آلهة {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا} حقيقاً بأن يحذره ويحترز عنه كل أحد من الملائكة والرسل عليهم السلام وغيرهم ، والجملة تعليل لقوله سبحانه: {ويخافون عَذَابَهُ} وفي تخصيصه بالتعليل زيادة تحذير للكفرة من العذاب ، وتقديم الرجاء على الخوف لما أن متعلقه أسبق من متعلقه ففي الحديث القدسي"سبقت رحمتي غضبي"
وفي اتحاد أسلوبي الجملتين إيماءً إلى تساوي رجاء أولئك الطالبين للوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادة وخوفهم ، وقد ذكر العلماء أنه ينبغي للمؤمن ذلك ما لم يحضره الموت فإذا حضره الموت ينبغي أن يغلب رجاءه على خوفه ، وفي الآية دليل على أن رجاء الرحمة وخوف العذاب مما لا يخل بكمال العابد ، وشاع عن بعض العابدين أنه قال: لست أعبد الله تعالى رجاء جنته ولا خوفاً من ناره والناس بين قادح لمن يقول ذلك ومادح ، والحق التفصيل وهو أن من قاله إظهاراً للاستغناء عن فضل الله تعالى ورحمته فهو مخطئ كافر ، ومن قاله لاعتقاد أن الله عز وجل أهل للعبادة لذاته حتى لو لم يكن هناك جنة ولا نار لكان أهلاً لأن يعبد فهو محقق عارف كما لا يخفى.
{وَإِن مّن قَرْيَةٍ}