وخلاصة ذلك: اسلك في الدعوة والمناظرة الطريق المثلى، وهي الدعوة بالتي هي أحسن، وليس عليك غيرها، أمَّا الهداية والضلال والمجازاة عليها فإلى الله سبحانه لا إلى غيره، وإذ هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضلال لسوء اختياره، وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء، لما ينطوي بين جنبيه من الخير فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة، وهو كافٍ في هداية المهتدين، وإزالة عذر الضالين.
126 -ولما أمر الله سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة، وبين طريقها، وكانت تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، والحكم عليهم بالكفر والضلالة، وذلك مما يحمل أكثرهم على إيذاء الداعي، إما بقتله، أو بضربه، أو بشتمه، كما أن الداعي يدعوه طبعه إلى تأديب أولئك السفهاء تارةً بالقتل، وأخرى بالضرب .. لا جرم أمر سبحانه المحقين برعاية العدل والإنصاف في العقاب، وترك الزيادة فيه فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} ؛ أي: وإن أردتم أيها المؤمنون معاقبة من ظلمكم {فَعَاقِبُوا} ؛ أي: فجازوه {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ؛ أي: بمثل ما فعل بكم من القتل والضرب والشتم، ولا تزيدوا عليه، لأنَّ الزيادة ظلم، سمي الفعل الأول عقوبةً، والعقوبة هي الثانية لازدواج الكلام ومشاكلته، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} فالثانية ليست بسيئة، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه .. فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه.
وقرأ الجمهور: {عاقبتم} بالألف والتخفيف فيهما، وقرئ بالتشديد فيهما من غير ألف.
روي: أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد، بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - حمزة مبقور البطن، فقال:"أمَّا والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك"، فنزلت، فكفر عن يمينه، وكف عما أراد، ولا خلاف في تحريم المثلة، لورود الأخيار بالنهي عنها، حتى بالكلب العقور.