وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج إليه في إكمال حياته الطيبة، من نبوة وأموال وأولاد، وذكر حسن، وخلود على ألسنة أهل التوحيد، وقبول في قلوب الناس جميعا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي لمن أهل الجنة.
هذا هو النموذج للمسلم الكامل، وما أعطاه الله نموذج للحياة الطيبة التي وعدها عباده الصالحين.
هذا النموذج مستجمع لخصال الخير: خاشع، مطيع، مائل عن كل دين إلا دين الإسلام، موحّد، شاكر للنعمة، مستقيم على صراط الله، صالح، وجزاؤه الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة.
هذا هو النموذج الكامل للمسلم، والنموذج الكامل للدخول في الإسلام كله، ومن ثم جعله الله قدوة لرسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا كذلك من إكرامه في الدنيا ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال ابن كثير: أي ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً .. وقال النسفي: في (ثم) تعظيم منزلة نبينا عليه الصلاة والسلام
وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته.
وإذن فالنموذج للمسلم الكامل إبراهيم عليه السلام، وبعثة رسولنا عليه الصلاة والسلام إنما هي تجديد لدين إبراهيم، وإحياء له في التوحيد والقدوة، ولما كان عند اليهود (عقدة السبت) لدرجة أنهم يرفضون أي دين لا يعظم السبت، ويعتبرون عدم تعظيم السبت علامة على بطلان أي دين، بيّن الله عزّ وجل في هذا المقام هذا الموضوع، واختيار هذا المقام لتبيان هذا الموضوع؛ لأن إبراهيم لم يكن جزءا من عمله تعظيم السبت، ولأن هذا المثال نموذج على ما يمكن أن يجادل فيه بعض الخلق، والأمر اللاحق هو توجيه حول قضية الدعوة والجدال فيها. فمجيء هذا الموضوع في هذا المقام مفهوم الحكمة، وهو بيان لموقف الإسلام من السبت. فليس السبت جزءا من إسلامنا، ولا من شريعتنا، ولا مما أمر الله به أمتنا.