ثم سكت عنه القرآن الكريم ليدلّنا على أنه لا شيءَ عليه ، ولا بأسَ أن يأخذ المؤمن بالتقية ، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال .
وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة ، ونطقتْ كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان .
وفي الحديث الشريف:"رفع عن أمتي: الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه".
ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سُمية أول شهيدين في الإسلام ، فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل ، وتعرّضوا لكثير من التعذيب حتى عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل العفو عنهما ، فماذا حدث من هذين الشهيدين؟ صَدَعا بالحق وأصرَّا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله ، ولم يأخذا برخصة التقية .
وكان ولدهما عمار أول مَنْ أخذ بها ، حينما تعرّض لتعذيب المشركين ."وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمار بن ياسر كفر ، فأنكر صلى الله عليه وسلم هذا ، وقال:"إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه ، وإن الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه"."
فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكي ، ثم قص عليه ما تعرَّض له من أذى المشركين ، وقال: والله يا رسول الله ما خلَّصني من أيديهم إلا أنِّي تناولتك وذكرت آلهتهم بخير ، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة وقال له"إنْ عادوا إليك فَقُلْ لهم ما قلت".
وقد أثارت هذه الرخصة غضب بعض الصحابة ، فراجعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما بال بلال؟ فقال:"عمار استعمل رخصة ، وبلال صدع بالحق".
ولا شكَّ أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله ، وأن الصَّدْعَ بالحق والصبر على البلاء أعْلَى منزلةً ، وأَسْمَى درجة من الأَخْذ بالرخصة ؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه ، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر .