ومن أخسر ممن اتصف بتلك الأوصاف السابقة من كينونة غضب الله عليهم ، والعذاب الأليم ، واستحباب الدنيا ، وانتفاء هدايتهم ، والإخبار بالطبع وبغفلتهم.
ولما ذكر تعالى حال من كفر بعد الإيمان ، وحال من أكره ، ذكر حال من هاجر بعد ما فتن.
قال ابن عطية: وهذه الآية مدنية ، ولا أعلم في ذلك خلافاً.
وقال ابن عباس: نزلت فكتب بها المسلمون إلى من كان أسلم بمكة أنّ الله قد جعل لكم مخرجاً ، فخرجوا ، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل ، فعلى هذا السبب يكون جهادهم مع الرسول على الإسلام.
وروي أنهم خرجوا واتبعوا وجاهدوا متبعيهم ، فقتل من قتل ، ونجا من نجا ، فنزلت حينئذ ، فعنى بالجهاد جهادهم لمتبعيهم.
وقال ابن إسحاق: نزلت في عمار ، وعياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد.
قال ابن عطية: وذكر عمار في هذا غير قويم ، فإنه أرفع من طبقة هؤلاء ، وإنما هؤلاء من باب ممن شرح بالكفر صدراً أفتح الله لهم باب التوبة في آخر الآية.
وقال عكرمة والحسن: نزلت في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه ، فكأنه يقول: من بعد ما فتنهم الشيطان.
وقال الزمخشري: ثم إن ربك دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك ، وهم عمار وأصحابه.
وللذين عند الزمخشري في موضع خبران قال: ومعنى إن ربك لهم إنه لهم لا عليهم ، بمعنى أنه وليهم وناصرهم ، لا عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك للرجل: لا عليه ، فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور انتهى.
وقوله: منفوعاً اسم مفعول من نفع ، وهو قياسه لأنه متعد ثلاثي.
وزعم الأهوازي النحوي أنه لا يستعمل من نفع اسم مفعول ، فلا يقال منفوع وقفت له عليه في شرحه موجز الرماني.
وقال أبو البقاء: خبر إن الأولى قوله: إن ربك لغفور ، وأن الثانية واسمها تكرير للتوكيد انتهى.