تداركتما عبساً وقد ثلّ عرشها... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
{وَتَذُوقُواْ السوء بِمَا صَدَدتُّمْ} أي: تذوقوا العذاب السيء في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما بما صددتم {عَن سَبِيلِ الله} أي: بسبب صدودكم أنتم عن سبيل الله ، وهو الإسلام ، أو بسبب صدّكم لغيركم عن الإسلام ، فإن من نقض البيعة وارتدّ ، اقتدى به غيره في ذلك ، فكان فعله سنّة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ولهذا قال: {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: متبالغ في العظم ، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا.
ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً} أي: لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضاً يسيراً حقيراً.
وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيراً ، فهو لكونه ذاهباً زائلاً يسير ، ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال: {إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع ، وما عنده في الآخرية من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع هو خير لهم.
ثم علل النهي عن أن يشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً ، وأن ما عند الله هو خير لهم بقوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز بين الأشياء.
ثم ذكر دليلاً قاطعاً على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ} ومعلوم لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير ، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل.