ثم بيّن سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال: {وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} متفقة على الحق {ولكن} بحكم الإلهية {يُضِلُّ مَن يَشَاء} بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} بتوفيقه إياهم فضلاً منه عليهم {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
ولهذا قال: {ولتسألن عما كنتم تعملون} من الأعمال في الدنيا ، واللام في {وليبيننّ لكم} وفي {ولتسألنّ} هما الموطئتان للقسم.
ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الأيمان ، نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة ، فقال: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ} وهي أيمان البيعة.
قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين.
واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} من المبالغة ، وبما في قوله: {وَتَذُوقُواْ السوء بِمَا صَدَدتُّمْ} لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّوا غيرهم عن الدخول في الإسلام.
وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول هذه الآية ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله ، لقصد التأكيد والتقرير.
ومعنى {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} فتزلّ قدم من اتخذ يمينه دخلاً عن محجة الحق {بعد ثبوتها} عليها ورسوخها فيها.
قيل: وأفرد القدم للإيذان بأن زلل قدم واحد ، أيّ قدم كانت عزّت أو هانت محذور عظيم ، فكيف بأقدام كثيرة؟ وهذا استعارة للمستقيم الحال ، يقع في شرّ عظيم ويسقط فيه ، لأن القدم إذا زلت ، نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شرّ.
ويقال لمن أخطأ في شيء: زلت به قدمه ، ومنه قول الشاعر: