والمخلص لا يخلو من تقصير وإن أفرغ جهده، والتقصير في حق من رزقه دائم عليه حمق؛ إذ كان ينبغي أن تكون طاعته له دائمة كما أن رزقه عليه دائم.
نعم، هذا الحمق أسهل هذه الأنواع كلها، وشره يذهب بالاعتراف والاستغفار كما قالت الملائكة عليهم السلام: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ! لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَما أثنَيْتَ عَلى نفسِكَ".
ومن هنا كان - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَةُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ فِي اليَوْمِ"
أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً"."
ومن لزم الطاعة، وداوم معها على الاستغفار سلم من هذه الحماقة لأنه اقتدى بأعقل الخلق - صلى الله عليه وسلم -.
وهل ما ذكرناه هنا هو معنى قول مطرف - رضي الله عنه: ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه، غير أن بعض الحمق أهون من بعض؟ رواه ابن المبارك، وأحمد أيضاً.
ورواه أبو نعيم، ولفظه: لو حلفت لرجوت أني أَبَرُّ: أنه ليس أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين الله - عز وجل -.
وروى النقاش عن سعيد بن المسيب قال: تلا عمر رضي الله تعالى عنه هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) } [سورة الانفطار: 6] ؛ قال: الحمق يارب.
ونقل ابن الجوزي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: كلنا
أحمق في ذات الله - عز وجل -.
وقلت مقتبساً لكلام أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: من الرمل
كُلُّنا أَحْمَقُ فِي ذاتِ الإِلَهِ ... لَوْ عَقِلْنا لَمْ نَحُمْ حَوْلَ الْمَناهِي
لَوْ عَقِلْنَا لأَطَعْنا ما نَرى ما ... قَد أَطَعْنَا لا نُرائِي لا نبُاهِي
رُبَّما أَحْمَقُ كُلُّ النَّاسِ إِذْ هُمْ ... بَيْنَ مَهْمُوم بِدُنْياهُ وَلاهِي
رُبَّ مَنْ جَمَّعَ دنْياهُ وَأَوْعى ... ثُمَّ لَمْ يَبْقَ لَها كَلاَّ وَلا هِي
خُذْ مِنَ الدُّنْيَا كَفافًا ثُمَّ أَقْصِرْ ... لا تَكُنْ بِاللهِ مِنْ أَهْلِ الْمَلاهِي
الفائِدةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذكر ابن الجوزي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش.