الفائِدَةُ العاشِرَةُ: روى الدينوري في"المجالسة"قال: حدثنا أحمد بن خالد الآجري قال: سمعت ابن عائشة يقول: قيل لبعض الحكماء: ما كمال الحمق؟
قال: طلب منازل الأخيار بأعمال الأشرار، وبغض أهل الحق، وصحبة أهل الباطل.
قيل: فما علامة الجهل؟
قال: حب الغنى، وطول الأمل، وشدة الحرص.
قيل: فما علامة العمى؟
قال: الركون إلى من لا تأمن غشه، والمن مع الصدقة، والعبادة مع البخل.
قال: وقال ابن قتيبة: قرأت في كتب الهند: من الحمق التماس
الرجل الإخوان بغير وفاء، وطلب الآخرة بالرياء والسمعة، ومودة النساء بالغِلْظة، وينفع نفسه بضر غيره، وطلب العلم والفضل بالدَّعَة.
وروى الإمام أحمد في"الزهد"عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال لأصحابه: يا ابن آدم! إلى متى؟
يا أهلاه! غَدُّوني، يا أهلاه! عَشّوني، يوشك والله يغدى بك، يوشك والله يراح بك؛ إما هولاً أكلاً بلعاً بلعاً، وسرطاً سرطا أحمق، إنما تجمع مالك لامرأة تذهب إلى زوجها، أو لرجل يذهب بمالك إلى زوجته؛ فإن استطعت أن لا تكون آخر الثلاثة فافعل.
وقوله: أحمق: منادى حذف منه حرف النداء؛ أي: يا أحمق.
والمراد: أن من جمع المال ولم ينفقه في سبيل الله، أو فيما ينتفع به في الدارين خلَّفه لمن يتمتع به، ولا يشكر له يداً فيه، وتبقى عهدته عليه، عليه تبعته، ولغيره متعته.
ولنا في المعنى: من البسيط
حَمَق تُجَمِّعُ مالاً ثُمَّ تَتْرُكُه ... لِزَوْجَةٍ أَمْتَعَتْهُ بَعْدَكَ الرَّجُلا
الفائِدَةُ الْحادِيَةَ عَشْرَةَ: روى الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد؛ كلاهما في"الزهد"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يرى الناس كأنهم حمقى في دينهم.
وبيانه: أن الناس الذين تراهم إما طائع وإما عاص، فالعاصي أحمق لأنه عبد ترك طاعة مولاه ولا غنى له عنه، ولا بد له منه، ولا قوام له إلا به.
والطائع إما مُراءٍ، وإما مخلص.
فالمرائي أحمق لأنه أراد بطاعته غير من هي له، فوضع الشيء في غير محله، وأعطى الحق لغير مستحقه.