وروى أبو نعيم عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: إن نبياً من الأنبياء عليهم السلام أمر قومه أن يقرضوا ربهم عز وجل، فقال رجل منهم: يا رب! ليس عندي إلا تبن حماري، فإن كان لك] حمار
علفته من تبن حماري هذا.
قال: فكان يدعو بهذا في صلاته، قال: فنهاه نبيه عن ذلك.
فأوحى الله تعالى إليه: لأي شيء نهيته؟ قد كان يضحكني في اليوم كذا وكذا مرة.
وفي رواية متصلة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال أبو نعيم:"فَإِنِّي إِنَّما أُجازِي عِبادِيَ عَلى قَدْرِ عُقُولهِمْ".
قلت: لعل وجه معاتبة الله تعالى هذا النبي على نهي هذا الأبله عن ذلك لأن البله أمر خلقي فلا يفيد صاحبه النهي شيئاً، بل ربما أوقعه البله بالنهي في أعجب منه.
وقوله: إنه كان يضحكني: الضحك من الله تعالى بمعنى الرضا؛ كأنه يقول: أنا طبعته على البله، ومنعته الفطنة، فرضيت بما يصدر منه؛ فإنه على وفق ما أردت منه.
وقوله في الرواية الأخرى:"إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم"؛ فيه إشارة إلى أن العبد المؤمن كلما كان أتم عقلاً كان أوسع علماً ومعرفة، وأكثر عملاً وتقوى، فيكثر ثوابه، فيرجع المعنى إلى أن الثواب بقدر العقول الكاملة، وليس للعبد الذي خلقه الله تعالى كامل
العقل، وافر الفطنة، ثابت اللب أن يتشبه بالنُّوكى والبُلْهِ في الأفعال الخارجة عن استحسان العقل لأنه يكون كافراً لنعمة العقل والفطانة.
8 -ومن أقبح أنواع البله، والحمق والجنون، وأشدها ضرراً على أصحابها: الوسوسة، والانتهاء فيها إلى حد إنكار الأمور اليقينية، والحقائق.
قال ابن الجوزي في"الأذكياء": حدثني أزهر بن عبد الوهاب قال: جاء رجل إلى ابن عقيل فقال: إني أنغمس في النهر غمستين أو ثلاثاً، ولا أتيقن أنه قد عمني الماء، ولا أني تطهرت، فكيف أصنع؟
فقال له: لا تصلي.
فقيل له: كيف قلت هذا؟
قال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ"، ومن ينغمس في البحر مرتين أو ثلاثاً، ويظن أنه ما اغتسل، فهو مجنونٌ.