فرفع رأسه إليه فقال: أيها الرجل! إنه ليس بين الله وبين أمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - خلق غيرك، وإن الله سائلك، فأَعِدَّ للمسألة جواباً، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله عنها.
فبكى هارون وقال: يا أبا نصر! إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره.
فقال له أبو نصر: هذا والله غير مغنٍ عنك، فانظر لنفسك؛ فإنك
وعمر تسألان عما خَوَّلَكُما الله تعالى فيه.
ثم دعا هارون بِصُرَّة فيها مئة دينار فقال: ادفعوها إلى أبي نصر.
فقال: وهل أنا إلا رجل من أهل الصفة؟ ادفعوها إلى فلان يفرقها بينهم ويجعلني رجلاً منهم.
وروى أبو نعيم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أنه كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكروا الله حتى يقول الجاهل: إنك مجنون.
وروى أبو نعيم عن إسحاق بن خلف قال: قال سفيان رحمه الله تعالى لشاب يجالسه: أتحب أن تخشى الله حق خشيته؟
قال: نعم.
قال: أنت أحمق؛ لو خفته حق خوفه ما أديت الفرائض.
معناه: أنه كان يتبلبل عقله من شدة الخوف فلا يهتدي إلى تأدية الفرائض.
ومن أحسن ما قيل في وصف أولياء الله تعالى من الكامل:
فَهُمُ الَّذِينَ تَجَنَّبوا الأَشْغالا ... بَذَلُوا النُّفُوسَ وَأَنْفَقُوا الأَمْوالا
تَرَكُوا النِّساءَ كَأَنَّهُنَّ أَرامِلٌ ... قَبْلَ الْمَماتِ وَأَيْتَمُوا الأَطْفالا
وَتَجَوَّعوا وَتَعَطَّشوا وَتَضَمَّروا ... طَلَبَ السِّباقِ وَخَفَّفوا الأَثْقالا
وَتَغَرَّبوا وَتَعَزَّبوا عَنْ أَهْلِهِمْ ... حَذَرَ الفَواتِ وَفَكَّكوا الأَغْلالا
فَطَمُوا عَنِ الدُّنْيا نُفوساً طالَما ... كانَتْ تَتِيهُ عَلى النَّعِيمِ دَلالا
خافُوا البَياتَ فَشَمَّروا بِعَزِيْمَةٍ ... طَلَبَ النَّجاةِ وَكابَدوا الأَهْوالا
حَتَّى إِذا بَلِيَتْ ضَنًى أَجْسامُهُمْ ... وَهَوى شُجوناً فِي الْهَوى
وَرَدوا جَنابَ مَلِيكِهِمْ فَحَباهُمُ ... زَيْناً يَفُوقُ الفَرْقَدَيْنِ مِثالا