فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 256795 من 466147

وقد يكثر العاقل الفكر في سعة رحمة الله تعالى وكثرة عفوه، ويذكر لطفه بكثير من خلقه ورأفته بهم، فيغلب عليه الرجاء والفرح بفضل الله تعالى، فلا ينزعج بشيء من مصائب الدنيا، ولا يحزن على شيء فاته منها؛ خصوصاً إذا اطلع على ما أعده الله تعالى للصابرين من الأجر العظيم والثواب الكثير، وذلك عن ذوي الدنيا معدود في أحوال المجانين المولهين في الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم:"اذْكُرِ اللهَ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ". رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه.

وروى أبو نعيم عن عصام بن يزيد قال: ربما كان يأخذ سفيان رحمه الله تعالى في التفكر فينظر إليه الناظر، فيقول: مجنون.

وكذلك لو غضب الإنسان لله تعالى لمشاهدة منكر في الدين، فاضطربت أحواله، وتبلبلت أقواله حتى صار في مثل حال المجانين؛ فإنه محمود على هذه الحالة ويثاب عليها.

روى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة رحمه الله تعالى قال: لم يكن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - متحرفين ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حَمَاليق عينيه كأنه مجنون.

وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قَلِيلُ التَّوْفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العَقْلِ، وَالعَقْلُ فِي أَمْرِ الدُّنْيا مَضَرَّة، وَالعَقْلُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مَسَرَّةٌ".

ومقتضاه أن العبد إذا حمله التوفيق على إنكار المنكر - ولو أخل إنكاره بشيء من أحواله الدنيوية المستحسنة عقلاً عند أهل الدنيا - فلا بأس عليه، بل هو على خلق محمود وخير موجود.

ومن غلب عقله في الدين على عقله في الدنيا لمطالعة أسرار الملكوت ظهرت محاسنه، وتميز بها على أهل الدنيا، وظهر حسن فهمه، وصحة نظره كما روى الدينوري عن إبراهيم بن حبيب قال: سمعت أبا نعيم يقول: مر أبو الديك - وكان معتوهاً - بمعلم كتاب

جبانة كندة] وهو ينشد من الكامل:

إِنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً ... حَتَّى يُصابَ بِها طَرِيقُ الْمَصْنعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت