وروى أبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إن عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، قلوبهم محزونة، وسرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافَّة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، فيجأرون لبارئهم؛ ربَّنا ربَّنا، وأما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم مرض، أو خولطوا ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمرٌ عظيم.
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: لقيت مرة شيخاً متظاهراً
بالجنون فناديته: قف يا مجنون، فالتفت إلي، وقال لي: أتدري من المجنون؟
فقلت: لا.
فقال: المجنون من يخطي خطوة ولم يذكر الله تعالى.
وروى ابن جهضم عن ذي النون رحمه الله تعالى قال: قلت لفليح المجنون: ما الذي جنَّنك وأذهب عقلك؟
فقال لي: لما طال حبسي في الدنيا صرت مجنوناً لخوف فراقه.
وروى الدينوري عن ابن أبي فديك رحمه الله تعالى قال: كان هاهنا بالمدينة في سنة سبع وثمانين رجل يكنى: أبا نصر بن جهينة، ذاهب العقل في غير ما الناس فيه، لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان إذا سئل عن الشيء أجاب جواباً معجباً حسناً.
قال ابن أبي فديك: فأتيته يوماً وهو مع أهل الصفة منكِّساً رأسه، واضعاً جبهته بين ركبتيه، فجلست إلى جنبه، فحركته، فانتبه، فأعطيته شيئاً كان معي، فأخذه، وقال: قد صادف منا حاجة.
فقلت له: يا أبا نصر! ما الشرف؟
فقال: حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها، والقبول من محسنها، والتجاوز عن مسيئها.
قلت: فما المروءة؟
قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وتوقي الأدناس، واجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها.
قلت: فما السخاء؟
قال: جهد المقل.
قلت: فما البخل؟
قال: أُفٍّ، وحوَّلَ وجهه عني.
فقلت: إنه لم تجبني بشيء.
قال: بل قد أجبتك.
قال ابن أبي فديك: وقدم هارون أمير المؤمنين، فأحب أن ينظر إليه، فلما أتاه هارون حرك أبا نصر بيده، فرفع رأسه وهارون واقف، فقيل له: يا أبا نصر! هذا أمير المؤمنين واقف عليك.