فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 256787 من 466147

فتأمل كيف عرض على هذا أن يشهد على نفسه بالجنون؛ أي: بأن يتجامن ويتجانن لينجو من القتل، فآثر القتل] على الاتصاف بعدم العقل!

وذكر أقضى القضاة الماوردي في"أدب الدين والدنيا"عن الأصمعي قال: قلت لغلام حَدَثٍ من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحته: يسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنت أحمق؟

قال: لا والله.

قلت: ولم؟

قال: أخاف أن يجني عَلَيَّ حُمقي جناية تذهب بمالي، ويبقى عَلَيَّ حمقي.

قال الماوردي: فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج لفرط

ذكائه، واستنبط بِجَودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً وأكثر تجرِبة.

ومن أول دليل على قبح التشبه بالمجانين والحمقى ما رواه ابن عدي في"كامله"عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقاءِ".

والحكمة في ذلك أن الرضاع يغير الطباع، فنهى عن إرضاع الصبي من الحمقاء لئلا يسري إليه من حمقها شيء.

ولعل التشبه بالمجانين أبلغ من سريان حالهم إلى المتشبه من الرضاع في طباع الرضيع.

ولقد قال حجة الإسلام الغزالي: لا يتجنن إلا المجنون.

قلت: بل المتشبه بالمجنون أسوأ حالاً منه من وجهين: الأول: أن المجنون سُلِبَ نعمة العقل فلا يطالب بشكرها، والعاقل المتشبه كفر نعمة العقل من حيث إنه لم يستعمله فيما خلق له، وهو بذلك متعرض لزوال تلك النعمة؛ فإن كفران النعم يبيدها، كما أن الشكر يفيدها ويزيدها، ولذلك قال بعض الحكماء: ما تجنن أحد قط إلا وانتهى أمره إلى الجنون.

والثاني: أن المجنون رفع عنه قلم التكليف فلا عقاب عليه، والمتشبه به مكلف فيعاقب بما أخل به من التكليفات بسبب التجني، فالمتجنن قد سلب حلاوة العقل في الدنيا وثوابه في الآخرة.

قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة الملك: 10 - 11] .

والمجنون مثاب على مصيبته كالمريض، كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه في"الأم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت