وبالنظر إلى النوع الأول والاعتبار به قال بعض المتكلمين:
يعرف العدل والجور قبل الشرع ، وبالنظر إلى النوع الثاني والاعتبار
به قال بعضهم: لا يعرفان إلا بالشرع ، وعلى الجملة فالشرع مجمع العدالة وبه تعرف حقائقها ، ولو توهمناه مرتفعا لكان يؤدي إلى أن لا يكون عدل على الحقيقة في شيء من جزئيات الأفعال ، ولا يكون في كثير من كلياتها ، فالعدل المحمود هو الذي يتحرى فعله لا رياء ولا سمعة ولا رغبة ولا رهبة وإنما يكون تحريا للحق عن سجية.
والذي يجب أن يستعمل الإنسان معه العدل خمسة أشياء:
الأول: بينه وبين رب العزة - عز وجل - بمعرفة توحيده وأحكامه.
والثاني: بين قوى نفسه ، وذلك بأن يجعل هواه مستسلما لعقله ، فقد قيل: أعدل الناس من أنصف عقله من هواه.
والثالث: بينه وبين أسلافه الماضين في إيثار وصاياهم والدعاء لهم.
والرابع: بينه وبين معامليه في أداء الحقوق ، والإنصاف في المعاملات من البيع
والشراء والكرامات وجميع المعاوضات والإجارات.
والخامس: بث النصفة بين الناس على سبيل الحكم ، وذلك إلى الولاة وخلفائهم.
وأما الحكام العدول في الأرض فثلاثة:
حاكم من الله تعالى: وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والعامل والآمر به: وهو كل وال عدل.
والناض المعتبر به: وأعلاه الدينار ومعناه بالفارسية"دين أورده"والناض من وجه كالحاكم ومن وجه كالآلة للحاكم يعتبر به إذا قيس عمل بعمل ، ولما كانت الشريعة مجمع العدالة ومنبعها صار من امتنع عن التزامها وانتظامها أظلم ظالم ، ولهذا قال - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه)
وقال: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم)
ولكون الكفر ظلما قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا(82)
فقابل المؤمن بالظالم.
ما يحسن ترك العدل فيه