والغَزْل هو أن نُكوِّن من هذه الشعيرات خَيْطاً طويلاً ممتداً وانسيابياً دون عُقَد فيه لكي يصلح للنسجْ بعد ذلك ، وتتم هذه العملية بآلة بدائية تسمى المغزل . تقوم المرأة بخلط هذه الشعيرات الدقيقة ثم بَرْمِها بالمغزل ، ليخرج في النهاية خيطٌ طويل مُنْسابٌ متناسق لا عُقَد فيه .
والآية هنا ذكرتْ المرأة في هذا العمل ؛ لأنه عمل خاص بالنساء في هذا الوقت دون الرجال ، فكانت المرأة تكنّ في بيتها وتمارس مثل هذه الصناعات البسيطة التي تكوِّن منها أثاث بيتها من فَرْش وملابس وغيره .
وإلى الآن نرى المرأة التي تحافظ على كرامتها من زحمة الحياة ومُعْترك الاختلاط ، نراها تقوم بمثل هذا العمل النسائي .
وقد تطور المغزل الآن إلى ماكينة تريكو أو ماكينة خياطة ، مما يُيسِّر للنساء هذه الأعمال ، ويحفظهُنَّ في بيوتهن ، وينشر في البيت جَواً من التعاون بين الأم وأولادها ، وأمامنا مثلاً مشروع الأسر المنتجة حيث تشارك المرأة بجزء كبير في رُقِّي المجتمع ، فلا مانع إذن من عمل المرأة إذا كان عملاً شريفاً يحفظ عليها كرامتها ويصُون حرمتها .
فالقرآن ضرب لنا مثلاً بعمل المرأة الجاهلية ، هذا العمل الذي يحتاج إلى جَهْد ووقت في الغزل ، ويحتاج إلى أكثر منه في نَقْضه وفكِّه ، فهذه عملية شاقة جداً ، وربما أمرت الجواري بفكِّ الغزل والنسيج أيضاً ؛ ولذلك أطلقوا عليها حمقاء قريش .
وقوله:
{مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ...} [النحل: 92] .