فالبغيُ هو الاعتداء في المعاملة ، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت وسيلة كسب في الجاهلية ، وإما بمجاوزة الحدّ في مقابلة الذنب كالإفراط في المؤاخذة ، ولذا قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتّقوا الله} [سورة البقرة: 194] .
وقال: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغِيَ عليه لينصرنّه الله} [سورة الحج: 60] .
وقد تقدم عند قوله تعالى: {والإثم والبغي بغير الحقّ} في سورة الأعراف (33) .
فهذه الآية جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة ، والنهي عن ثلاثة ، بل في الأمر بشيئين وتكملة ، والنّهي عن شيئين وتكملة.
روى أحمد بن حنبل: أن هذه كانت السبب في تمكّن الإيمان من عثمان بن مظعون ، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله وكان حديثَ الإسلام ، وكان إسلامه حياءً من النبي وقرأها النبي عليه.
قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي.
وعن عثمان بن أبي العاص: كنت عند رسول الله جالساً إذ شخص بصره ، فقال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع {إن الله يأمر بالعدل} الآية أ هـ.
وهذا يقتضي أن هذه الآية لم تنزل متّصلة بالآيات التي قبلها فكان وضعها في هذا الموضع صَالحاً لأن يكون بياناً لآية {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} [سورة النحل: 89] الخ ، ولأن تكون مقدّمة لما بعدها {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [سورة النحل: 91] الآية.
وعن ابن مسعود: أن هذه الآية أجمع آية في القرآن.
وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به في هذه الآية ، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.
وروى ابن ماجه عن عليّ قال: أمر الله نبيئه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، فخرج ، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم.