وقوله: {والجروح قِصَاصٌ} [المائدة: 45] فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة: 45] ، وقوله [الشورى: 41] الآية ، فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: [الشورى: 43] ، وقوله [النساء: 148] فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: [النساء: 149] إلى غير ذلك من الآيات.
فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن العدل في اللغة: القسط واٌنصا ، وعدم الجور. وأصله التوسط بين المرتبتين. أي الإفراط والتفريط. فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل. والإحسان مصدر أحسن ، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحوك أحسن إلى والديك. ومنه قوله تعالى عن يوسف: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن} [يوسف: 10] الآية. وتستعمل متعدية بنفسها.
كقولك: أحسن العامل عمله ، أي اجاده وجاء به حسناً. والله جل وعلا يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين ، فهما داخلان في الآية الكريمة ، لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل أحسن فيه صاحبه. وقد فسر النَّبي صلى الله عليه وسلم الإحسان في حديث جبريل بقوله:"أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك"وقد قدمنا ذلك (في سورة هود) .
فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا. كقول ابن عباس: العدل: لا إله إلا الله ، والإحسان: أداء الفارئض. لأن عابدة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط ، وتجنب التفريط والإفراط. ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد حسن. ولذا قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات:"أفلح إن صدق"وكقول سفيان: العدل: استواء العالنية والسريرة. والإحسانك ان تكون السريرة أفضل من العلانية. وكقول علي رضي الله عنه: العدل: الإنصاف. والإحسان: التفضل. إلى غير ذلك من أقوال السلف. والعلم عند الله تعالى: