ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} هي جمع"كن"وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب {وسرابيل تقيكم بأسكم} كالدروع والجواشن {كذلك يتم نعمته} أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا {لعلكم تسلمون} قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه. وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك ، أو تشكرون فتسلمون من العذاب. وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع {فان تولوا} فقد تمهد عذرك {فإنما عليك البلاغ المبين} وليس إليك الهداية. ثم ذمهم بأنهم {يعرفون نعمة الله} التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله {ثم ينكرونها} بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. ومعنى"ثم"تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان ، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله. وقيل: نعمة الله نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه ثم