لذلك نقول: لا عبادة كالتسليم ؛ لأن التسليم لحُكْمِه تسليمٌ لحكيم ، تسليمٌ لغير منتفع . . وما دُمْتَ قد سلمْتَ زمامك لربك عز وجل يُجلِّي لك الحكمة فيما جرى لك من الأحداث لتعلمَ رضاك عن حُكْمه لحكمته ، فتقول: أنا رضيتُ بحكمك يا رب .
ولذلك نقول في الدعاء: أحمدك على كُلِّ قضائك ، وجميع قَدرِك حَمْد الرِّضا بحكمك لليقين بحكمتك .
أي: لك حكمة يارب فيما أجريتَ عليَّ من أحداث ، ولكني لا أراها .
والذي يعلم مكانة التسليم لله تعالى فيما يُجرى عليه من أحداث وما يقع به من بلاء لا يضجر ولا يسخط ؛ لأنه بذلك يُطيل على نفسه أمدَ القضاء ؛ لأن الله لا يرفع قضاءه عن عبده حتى يرضى به ، فالله تعالى لا مُجبر له .
فإن أردت رَفْع القضاء فارْضَ به أولاً ، وإذا لم يرفع عنك القضاء فاعلم أن مكان الرضى من نفسك لم يكُنْ مقبولاً ، قد ترضى بلسانك ولكن قلبك لا يزال ساخطاً ضَجِراً .
فالذي يُسلم زَمامه إلى الله ويردّ كل حدث وقع أو بلاء نزل بهِ يردُّه إلى الله ، وإلى حكمة مُجريه ، الله تعالى يقول له: لقد فهمتَ عني ، ويرفع عنه البلاء .
وفي مقام التسليم لله دائماً نذكر قصة سيدنا إبراهيم حينما أمره ربه بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام . . وهل هناك بلاء أكثر من أن يُبتلَى الرجل بذبح ولده الذي رُزِقه على كِبَر ، ويذبحه هو بيده .
إنه ابتلاء من مراتب مُتعدِّدة ، ومن نَواحٍ مختلفة ، وليْتَ الأمر بوحي ظاهر ، ولكنه بمنام كان يستطيع أن يتأوَّل فيه ، ولكن رؤيا الأنبياء حق .
ونرى إبراهيم عليه السلام يقصُّ على ولده المسألة حِرْصاً عليه أنْ يتحوّل قلبه عن أبيه ساعةَ يأخذه ليذبحه ، وأيضاً لكي يشاركه ولده في الرضا بقدر الله ، ولا يحرم ثواب هذا الابتلاء . . فقال له: {إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ...} [الصافات: 102] .