وأما تسلمون في قراءة الجمهور فالمعنى: تؤمنون ، أو تنقادون إلى النظر في نعم الله تعالى مفض إلى الإيمان والانقياد.
روي أن أعرابياً سمع قوله تعالى: والله جعل لكم من بيوتكم سكناً إلى آخر الآيتين فقال: عند كل نعمة اللهم نعم ، فلما سمع: لعلكم تسلمون ، قال: اللهم هذا فلا ، فنزلت.
فإن تولوا ، يحتمل أن يكون ماضياً أي: فإن أعرضوا عن الإسلام.
ويحتمل أن يكون مضارعاً أي: فإن تتولوا ، وحذفت التاء ، ويكون جارياً على الخطاب السابق والماضي على الالتفات ، والفاء وما بعدها جواب الشرط صورة ، والجواب حقيقة محذوف أي: فأنت معذور إذ أدّيت ما وجب عليك ، فأقيم سبب العذر وهو البلاغ مقام المسبب لدلالته عليه.
وقال ابن عطية: المعنى إن أعرضوا فلست بقادر على حق الإيمان في قلوبهم ، فإنما عليك أن تبين وتبلغ أمر الله ونهيه انتهى.
ثم أخبر عنهم على سبيل التقريع والتوبيخ بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، وعرفانهم للنعم التي عدت عليهم حيث يعترفون بها ، وأنها منه تعالى ، وإنكارهم لها حيث يعبدون غير الله ، وجعل ذلك إنكاراً على سبيل المجاز ، إذ لم يرتبوا على معرفة نعمه تعالى مقتضاها من عبادته ، وإفراده بالعبادة دون ما نسبوا إليه من الشركاء ، قال قريباً من هذا المعنى مجاهد.
وقال السدّي: النعمة هنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، والمعنى: يعرفون بمعجزاته وآيات نبوته ، وينكرون ذلك بالتكذيب ، ورجحه الطبري.
وعن مجاهد أيضاً: إنكارهم قولهم ورثناها من آبائنا.
وعن ابن عون: إضافتها إلى الأسباب لا إلى مسببها ، وحكى صاحب الغنيان: يعرفونها في الشدة ، ثم ينكرونها في الرخاء.
وقيل: إنكارهم هي بشفاعة آلهتهم عند الله.
وقيل: يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم.
والظاهر أنّ المراد مِن وأكثرهم موضوعه الأصلي.
وقال الحسن: وكلهم: ما من أحد يقوم بواجب حق الشكر ، فجعله من كفران النعمة.