والمؤمنون يرزقهم الله بالأسباب المشروعة، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] .
ولا يكون رزقهم بالأسباب المحرمة، ولا يكون خبيثاً، والله يرزق المؤمن ما يحتاج إليه، ويحميه من فضول الدنيا، رحمة به وإحساناً إليه، وصيانة له.
والغنى والفقر ليس دليلاً على إكرام الله للعبيد .. فقد يوسع الله الرزق على العبد إملاًْ واستدراجاً .. وقد يقدر عليه رزقه حماية له وصيانة .. وقد يضيق الله على بعض المؤمنين لما لهم من الذنوب .. فيحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه .. فالطاعات سبب للرزق والراحة .. والمعاصي سبب للحرمان والمصائب.
والإنسان ماكينة الأعمال، كالشجرة ماكينة الثمار، خلقه الله متفكراً عاملاً.
فإن اجتهد على الأموال والأشياء والمشاهدات تخدر قلبه عن الغيبيات، وثقلت عليه الطاعات، فارتكب المحرمات، وترك الطاعات، واشتغل بما قسم الله له، عن ما وعده الله به، وهو الجنة فلم يعمل لها.
وإن اجتهد على الإيمان والأعمال الصالحة تخدر قلبه عن المشاهدات، وأقبل على ربه، فاشتغل بالطاعات، واجتنب المحرمات، واشتغل بما وعده الله به، عن ما قسم له، من الرزق.
وفي هذه الحياة الدنيا متاع جذاب براق، وهناك أولاد وأرزاق، وشهوات ولذائذ، وجاه وسلطان.
وهناك نعم آتاها الله لعباده في الأرض تلطفاً منه، وهبة خالصة لم يعلقها بطاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، وإن كان يبارك للطائع ولو في القليل، ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير.
ولكن هذا كله ليس له قيمة ثابتة باقية، إنما هو متاع زائل، محدود الأجل.
ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضى من الله أو غضب: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) } [المؤمنون: 56] .