فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة؛ لأنها الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى. . إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها.
ثم يقول الحق سبحانه: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. .} [النحل: 41] .
الخطاب هنا عن مَنْ؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء:
يمكن أنْ يُراد به الكافرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر.
ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير.
وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الذي لم يهاجر. . ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها.
وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد.
ثم يقول الحق سبحانه: {الذين صَبَرُواْ...} .
الحق تبارك وتعالى يريد أن يعطينا تشريحاً لحال المهاجرين، فقد ظُلِموا واضْطهِدوا وأُوذُوا في سبيل الله، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم، بل صبروا وتحملُّوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتكالاً على أن الله تعالى لن يُضيِّعهم.
ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا {صَبَرُواْ} بصيغة الماضي، فقد حدث منهم الصبر فعلاً، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضتْ وانتهت، والباقي لهم عِزّة ومنَعة وقوة لا يستطيع أحد أنْ يضطهدهم بعد ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآني.
أما في التوكل، فقال تعالى في حقهم:
{وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 42] .
بصيغة المضارع؛ لأن التوكُّل على الله حدث منهم في الماضي، ومستمرون فيه في الحاضر والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}