ولذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أعطى أحد الصحابة نصيب المهاجرين من العطاء يقول له:"بارك الله لك فيه . . هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أكبر من هذا". فهذه حسنة الدنيا .
{وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ . .} [النحل: 41] .
وساعة أنْ تسمع كلمة (أكبر) فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير ، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدنيا التي بوَّأهم الله إياها هي (الكبيرة) ، لكن ما ينتظرهم في الآخرة (أكبر) .
وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التفضيل . . فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أن الأكبر صفةٌ من صفاته تعالى ، وليس اسماً من أسمائه ، وفي شعار ندائنا لله نقول: الله أكبر ولا نقول: الله كبير . . ذلك لأن كبير ما عداه يكون صغيراً . . إنما أكبر ، ما عداه يكون كبيراً ، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حَقِّ المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة .
فإياك أنْ تظنَّ أن حركةَ الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة ، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تُعينك على طاعة الله ، فبها تأكل وتشرب وتتقوَّى ، وبها تجمع المال لِتسُدَّ به حاجتك ، وتُؤدِّي الزكاة إلى غير ذلك ، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة ، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر .
ولذلك حينما قال الحق تبارك وتعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع . .} [الجمعة: 9] .
أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها ، ثم قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ...} [الجمعة: 10] .