ويقول له عمر رضي الله عنه:"نِعْم العبدُ صُهيب ، لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه".
وكأن عدم عصيانه ليس خوفاً من العقاب ، بل حُبّاً في الله تعالى ، فهو سبحانه لا يستحق أنْ يُعصى .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى:
{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً . .} [النحل: 41] .
نُبوِّئ ، مثل قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت . .} [الحج: 26] .
أي: بيَّنا له مكانه ، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه ، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة ، ثم يأوي ويبوء إلى بيته ، إذن: باء بمعنى رجع ، أو هو مسكن الإنسان ، وما أعدَّه الله له .
فإنْ كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف نعطيهم ونُحِلهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من التي كانوا فيها ، فقد كانوا مُضطهدين في مكة ، فأصبحوا آمنين في المدينة ، وإنْ كانوا تركوا بلدهم فسوف نُمهّد لهم الدنيا كلها ينتشرون فيها بمنهج الله ، ويجنُون خير الدنيا كلها ، ثم بعد ذلك نُرجعهم إلى بلدهم سادة أعزَّة بعد أن تكون مكة بلداً لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام . . هذه هي الحسنة في الدنيا .
ثم يقول تعالى:
{وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ . .} [النحل: 41] .
ما ذكرناه من حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل ، ولكن حسنات الدنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال ، إما أنْ تفارقها ، وإما أن تُفارقك ، وقد أنجز الله وَعْده للمؤمنين في الدنيا ، فعادوا منتصرين إلى مكة ، بل دانتْ لهم الجزيرة العربية كلها بل العالم كله ، وانساحوا في الشرق في فارس ، وفي الغرب في الرومان ، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع .
وإنْ كانت هذه هي حسنة الدنيا المعَجَّلة ، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة:
{وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ ...} [النحل: 41] .
أي: أن ما أعدَّ لهم من نعيم الآخرة أعظم مما وجدوه في الدنيا .