هاجر إلى مكان تدل على أن المكان الذي هاجر إليه أفضل من الذي تركه ، وكأن الذي هاجر منه ليس مناسباً له .
أما هاجر في الله فتدل على أن الإقامة السابقة كانت أيضاً في الله . . إقامتهم نفسها في مكة وتحمُّلهم الأذى والظلم والاضطهاد كانت أيضاً في الله .
أما لو قالت الآية"هاجروا إلى الله"لدلَّ ذلك على أن إقامتهم الأولى لم تكن لله . . إذن: معنى الآية:
{هَاجَرُواْ فِي الله ...} [النحل: 41] .
أي: أن إقامتهم كانت لله ، وهجرتهم كانت لله .
ومثل هذا قوله تعالى: {وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...} [آل عمران: 133] .
أي: إذا لم تكونوا في مغفرة فسارعوا إلى المغفرة ، وفي الآية الأخرى: {يُسَارِعُونَ فِي الخيرات . .} [المؤمنون: 61] .
ذلك لأنهم كانوا في خير سابق ، وسوف يسارعون إلى خير آخر . . أي: أنتم في خير ولكن سارعوا إلى خير منه .
وهناك ملمح آخر في قوله تعالى:
{والذين هَاجَرُواْ . .} [النحل: 41] .
نلاحظ أن كلمة"الذين"جمع . . لكن هل هي خاصة بمَنْ نزلت فيهم الآية؟ أم هي عامة في كُلِّ مَنْ ظُلِم في أيِّ مكان في الله ثم هاجر منه؟
الحقيقة أن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فهي عامة في كل مَنْ انطبقت عليه هذه الظروف ، فإن كانت هذه الآية نزلت في نفر من الصحابة منهم: صُهيب ، وعمار ، وخباب ، وبلال ، إلا أنها تنتظم غيرهم مِمَّن اضطروا إلى الهجرة فِراراً بدينهم .
"ونعلم قصة صهيب رضي الله عنه وكان رجلاً حداداً لما أراد أنْ يهاجر بدينه ، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السِّنِّ ، إنْ كنت معكم فلن أنفعكم ، وإنْ كنت مع المسلمين فلن أضايقكم ، وعندي مال . . خذوه واتركوني أهاجر ، فرضَوْا بذلك ، وأخذوا مال صُهَيب وتركوه لهجرته ."
ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم:"ربح البيع يا صُهَيْب"
أي: بيعة رابحة .