وعلى هذا الوجه يخرج قوله: {فسيرى الله عملكم} وقوله: {ليعلم الذين آمنو منكم} ونحو هذا معناه يقع منكم ما أراد الله تعالى في الأزل وعلمه ، وقوله: أن نقول ، ينزل منزلة المصدر كأنه قال قولنا ، ولكن أن مع الفعل تعطى استئنافاً ليس في الصدر في أغلب أمرها ، وقد تجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن كهذه الآية.
وكقوله تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} وغير ذلك انتهى.
وقوله: ولكنْ أنّ مع الفعل يعني المضارع ، وقوله: في أغلب أمرها ليس بجيد ، بل تدل على المستقبل في جميع أمورها.
وأما قوله: وقد تجيء إلى آخره ، فلم يفهم ذلك من دلالة أنْ ، وإنما ذلك من نسبة قيام السماء والأرض بأمر الله ، لأنّ هذا لا يختص بالمستقبل دون الماضي في حقه تعالى.
ونظيره {إن الله كان على كل شيء قديراً} فكان تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي ، وهو تعالى متصف بهذا الوصف ماضياً وحالاً ومستقبلاً ، وتقييد الفعل بالزمن لا يدل على نفيه عن غير ذلك الزمن.
والذين هاجروا قال قتادة: نزلت في مهاجري أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) .
وقال داود بن أبي هند: في أبي جندل بن سهيل بن عمرو.
وعن ابن عباس: في صهيب ، وبلال ، وخباب بن الأرت ، وأضرابهم عذبهم المشركون بمكة ، فبوأهم الله المدينة.
وعلى هذا الاختلاف في السبب يتنزل المراد بقوله: والذين هاجروا.
قال ابن عطية: لما ذكر الله كفار مكة الذين أقسموا بأنّ الله لا يبعث من يموت ، ورد على قولهم ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم ، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ، هذا قول الجمهور وهو الصحيح في سبب الآية ، لأنّ هجرة المدينة ما كانت إلا بعد وقت نزول الآية انتهى.
والذين هاجروا ، عموم في المهاجرين كائناً ما كانوا ، فيشمل أولهم وآخرهم.
وقرأ الجمهور: لنبوأنهم ، والظاهر انتصاب حسنة على أنه نعت لمصدر محذوف يدل عليه الفعل أي: تبوئة حسنة.