ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله ، قال تعالى: {من بعد ما ظلموا} أي وقع ظلمهم من الكفار ، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين {لنبوئنهم} أي نوجد لهم منزلاً هو أهل لأن يرجع إليه ، بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة {في الدنيا} مباءة {حسنة} كبيرة عظيمة ، جزاء لهم على هدمتنا ، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون ، كما يراه من يتدبر بمعني لأوليائي على قلتهم ، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافاً لا يجهله أحد ، فالآية دليل على ما قبلها.
ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجراً كبيراً ، عطف عليه قوله تعالى: {ولأجر الآخرة} المعد لهم {أكبر} مما جعلته لهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم وقلتهم ، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي الدارين ، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية.