ويكشفون لهم سر المحبة، ويستلفتونهم إلى أن فيها انتظام شمل الجماعة
ويفرضون عليهم مجاهدة أنفسهم ليستوطنوها قلوبهم، ويشعروها أفئدتهم. يعلمونهم
لذلك أن يرعى كلٌّ حق الآخر، وإن كان لا يغفل حقه، وأن لا يتجاوز في الطلب
حده، وأن يعين قويُّهم ضعيفهم، ويمد غنيُّهم فقيرهم، ويهدي راشدهم ضالهم،
ويعلم عالمهم جاهلهم.
يضعون لهم بأمر الله حدودًا عامة، يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم،
كاحترام الدماء البشرية إلا بحق، مع بيان الحق الذي تهدر له، وحظر تناول شيء
مما كسبه الغير إلا بحق، مع بيان الحق الذي يبيح تناوله، واحترام الأعراض مع
بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع، ويشرعون لهم مع ذلك أن يقوِّموا أنفسهم
بالملكات الفاضلة، كالصدق والأمانة والوفاء بالعقود، والمحافظة على العهود،
والرحمة بالضعفاء، والإقدام على نصيحة الأقوياء، والاعتراف لكل مخلوق بحقه
بلا استثناء، يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية، إلى طلب الرغائب
السامية، آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير،
حسبما أمرهم الله جل شأنه.
يفصلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضاء الله عنهم، وما يعرضهم
لسخطه عليهم، ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب،
وحسن العقبى لمن وقف عند حدوده، وأخذ بأوامره وتجنب الوقوع في محاظيره،
يعلمونهم من أنباء الغيب ما أذن الله لعباده في العلم به مما لو صعب على العقل
اكتناهه لم يشق عليه الاعتراف بوجوده.
بهذا تطمئن النفوس، وتثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارًا
لجزيل الأجر، وإرضاءً لمَن بيده الأمر، بهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع
الإنساني، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم.
ليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمي الصناعات، فليس
مما جاءوا له تعليم التاريخ، ولا تفصيل ما يحويه عالم الكواكب، ولا بيان ما اختلف
من حركاتها، ولا ما استكنَّ من طبقات الأرض، ولا مقادير الطول فيها والعرض،
ولا ما تحتاج إليه النباتات في نموها، ولا ما تفتقر إليه الحيوانات في بقاء أشخاصها