وقد تكرر هذا الموقف موقف السؤال إلى أنْ تصل إلى الوجهة الصواب حينما عَتَب الحق تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود عليه السلام في قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط * إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الخطاب} [ص: 21 - 23] .
فماذا قال داود عليه السلام؟ {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ} [ص: 24] .
وواضحٌ في حكم داود عليه السلام تأثُّره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكُنْ عنده شيء ، ألم يظلم أخاه بأخْذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم ، وأدخل فيه حيثية أخرى ، وهذا خطأ إجرائي في عَرْض القضية ؛ لأن (تسع وتسعون) هذه لا دَخْل لها في القضية . . بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه ، ولبيان أن الخَصْم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم .
وسرعان ما اكتشف داود عليه السلام خطأه في هذه الحكومة ، وأنها كانت فتنة واختباراً من الله:
{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ...} [ص: 24] .
أي: اختبرناه كي نُعلِّمه الدرس تطبيقاً . . أيحكم بالحق ويُراعي جميع نواحي القضية أم لا؟
وانظر هنا إلى فطنة النبوة ، فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به ، واستغفر ربّه وخَرَّ له راكعاً مُنيباً .
وقال تعالى: {فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص: 24] .
إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود عليه السلام أن يستمع إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها .
وقوله تعالى: