* واختلفوا في سُقوط أَثَر الطَّلاقِ: فذهبَ جُمهورُ أهلِ العِلْمِ منَ الصَّحابةِ والتابعينَ إلى سُقوطِهِ، فلا يَقَعُ طلاقُ المُكْرَهِ.
وذهب الزُّهْرِيُّ والكوفِيُّونَ إلى وُقوعِ طلاقِه؛ كالهازِل؛ فالرِّضا ليسَ بشرطٍ في الطلاق.
* وأما أثَرُ الفِعْلِ:
فأجْمَعوا على أنه يسقط أثرُه في المَأْثَم في جميعِ ما أُكْرِهَ عليه، إلا في القتلِ؛ فإنهم اتفقوا على أنه لا يرفع المَأْثَمَ.
واختلفوا هل يسقُطُ ما يتعلقُ بالفِعل من الأحكامِ؛ كالقِصاص على المُكْرِه؟ وتفصيلُ ذلكَ وغيرِه في كتبِ الفقه.
* وكذلك اختلفوا في حَدِّ الإكراه.
ولا خَفاءَ بأنه يختلفُ بحسبِ الأَمْرِ المُكْرَهِ عليه، وهذا مهما بقيَ له من تَمامِ عَقْلٍ واختيارِ فعلٍ، فأما أَداءُ الحَيِّ إلى حَدٍّ لا يبقى له فيهِ اختيارٌ؛ كما إذا أُلقِيَ من شاهِقِ جَبَلٍ، فَقَتلَ إنسانًا بثقلهِ، فغيرُ مُكَلَّف، ولا داخِلٌ في الخِطاب اتفاقًا.
فإن قلتَ: فالآيةُ تدلُّ على أن المُكْرَهَ غيرُ مكلَّفٍ، ولا داخِلٌ في الخِطابِ، وهذهِ مقالَةُ المعتزلةِ، وربما نُسبت إلى الحَنفيةِ، والذي عليهِ الأشعريةُ، وقالَهُ جماعَةُ الشافعيةِ أَنَّهُ مكلَّفٌ داخلٌ في الخِطاب، فما الجوابُ؟.
قلتُ: الفقهاءُ يتكلمونَ في الوقوع، ولم يقعْ في الشرعِ تكليفُ المُكْرَهِ، والمتكلمونَ يتكلمونَ في الجَوازِ والامتناعِ العَقْلِيِّ.
فعندَ الأشعريَّةِ تكليفُه جائزٌ غيرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، وإنْ لمْ يقعْ شرعًا.
وعند المعتزلةِ تكليفُهُ غيرُ جائزٍ عَقْلًا ولا شَرْعًا.
فإن قُلْتَ: هذا الخطابُ يبطلُ باستدلالِهم على تكليفِه بانِعقادِ الإجماعِ على تَأْثيمِه عندَ الإكراه على القتل، وهذا يدلُّ على أنهم يريدونَ أَنَّ تكليفَه واقعٌ شرعًا، وأنهم يتكلمون في الوُقوع الشرعيِّ، لا في الجوازِ العقليِّ.