«فإن قلت» : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنها في قوله تعالى في سورة الكهف: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ. .} فالجواب: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها، والمنفى عنهم في الكهف النطق بالإِجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافى.
والتعبير بقوله تعالى: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول...} يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء في قوله {فألقوا} واشتملت جملة {إنكم لكاذبون} على جملة من المؤكدات، لإِفحام المشركين، وتكذيبهم في قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل.
ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} .
أي: وألقى المشركون يوم القيامة {السلم} أي: الاستسلام والخضوع والانقياد، لقضاء الله تعالى العادل فيهم، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه في الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم، أو ستنفعهم يوم القيامة.
وقيل: إن الضمير في قوله تعالى {وألقوا} يعود على المشركين وشركائهم. أي. استسلم العابدون والمعبدون وانقادوا لحكم الله الواحد القهار فيهم.
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}
وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم. يقال: زل فلان يزل زللا وزلولا، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أي: لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإِفساد بين الناس، فتزل أقدامكم عن طريق الإِسلام بعد ثبوتها عليها، ورسوخها فيها، قالوا: والجملة الكريمة مثل يُضْرَب لكل من وقع في بلية ومحنة، بعد أن كان في عافية ونعمة.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم وحدت القدم ونكرت؟
قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق. بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)
أي: من عمل عملا صالحا، بأن يكون خالصا لوجه الله تعالى وموافقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أم أنثى، فلنحيينه حياة طيبة، يظفر معها بصلاح البال، وسعادة الحال.