قلت: وقد يُقال على هذا: يجوز أن تكونَ"مَنْ"شرطيةً ، وإنما ثَبَتَت الياءُ ، ولم تَجْزِمْ"مَنْ"لشببها ب"مَنْ"الموصولة ، ثم لم يُعْتبر هذا الشبهُ في قوله"ويَصْبر"فلذلك جَزَمَه إلا أنه يَبْعُدُ مِنْ جهة أنَّ العامل لم يؤثِّر فيما بعده ، ويليه ويؤثرِّ فيما هو بعيدٌ منه . وقد تقدَّم الكلامُ على مثل هذه المسألة أولَ السورة في قوله {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12] .
وقوله {فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ} الرابطُ بين جملة الشرط وبين جوابها: أمَّا العمومُ في"المحسنين"، وإمَّا الضميرُ المحذوف ، أي: المحسنين منهم ، وإمَّا لقيام أل مُقامه والأصل: مُحْسِنيهم ، قامَتْ أل مُقام ذلك الضمير .
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) }
قوله تعالى: {آثَرَكَ} : أي:"تَفَضَّل عليك ، والإِيثار: التفضيلُ/ بجميع أنواع العطايا ، آثَره يُؤْثِره إيثاراً ، وأصلُه مِن الأَثَر وهو تَتَبُّع الشيء ِ فكأنه يَسْتقصي جميعَ أنواع المكارم ، وفي الحديث"ستكون بعدي أثَرة"، أي: يَسْتأثر بعضكُم على بعض ، ويقال: استأثر بكذا ، أي: اختصَّ به ، واستأثر اللَّه بفلانٍ كنايةٌ عن اصطفائه ، قال الشاعر:"
2829 واللَّه أَسْماك سُماً مبارَكا ... آثرك اللَّه به إيثارَكا
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) }