قوله: {نَجِيَّاً} حال مِنْ فاعل"خَلَصوا"أي: اعتزلوا في هذه الحالِ ، وإنما أُفْرِدَت الحالُ وصاحبُها جَمْعٌ: إمَّا لأنَّ النَّجِيَّ فَعِيل بمعنى مُفاعِل كالعشير والخليط بمعنى المُخالطِ والمُعاشِر ، كقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} [مريم: 52] أي: مُناجِياً ، وهذا في الاستعمال يُفْرَدُ مطلقاً ، يقال: هم خليطُكَ وعَشيرُكَ أي: مُخالِطوك ومُعاشِروك ، وإمَّا لأنَّه صفةٌ على فَعِيل بمنزلة صَديق ، وصديق وبابُه يُوحَّدُ لأنه بزِنَةِ المصادر كالصَّهيل والوَجيب والذَّمِيل ، وإمَّا لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل: النجوى بمعناه ، قال تعالى: {وَإِذْ هُمْ نجوى} [الإسراء: 47] ، وحينئذ يكون فيه التأويلاتُ المذكورةُ في"رجل عَدْل"وبابه ، ويُجمع على"أَنْجيَة"، وكان مِنْ حَقِّه إذا جُعِل وصفاً أن يُجْمع على أفْعِلاء كغَنِيّ وأَغْنِياء وشَقِيّ وأَشْقِياء . ومِنْ مجيئه على أَنْجية قولُ الشاعر:
2816 إنِّي إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ ... وقول الآخر وهو لبيد:
2817 وشَهِدْتُ أَنْجِيَةَ الأَفَاقةِ عالياً ... كَعْبي وأَرْدَافُ المُلوكِ شُهودُ
وجَمْعُه كذلك يُقَوِّي كونَه جامداً ، إذ يصير كرغيف وأَرْغِفَة .
قوله: {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ} في هذه الآيةِ وجوهٌ ستة ، أحدها: وهو الأظهر أنَّ"ما"مزيدةٌ ، فيتعلَّقُ الظرفُ بالفعل بعدها ، والتقدير: ومِنْ قبلِ هذا فَرَّطْتم ، أي: قَصَّرْتُمْ في حَقِّ يوسف وشأنِه ، وزيادةُ"ما"كثيرةٌ ، وبه بدأ الزمخشري وغيرُه .